عامٌ خاص بك!

قبل عام بالضبط، مع بداية 2020، قررت أن أطبع تقويما أو أجندة خاصة بي لذلك العام، شرطي الوحيد أن يكون حجم خانة اليوم كبيرا كفاية لأكتب فيه جملة كاملة. فقمت بطباعة اثني عشرة ورقة مقسمة إلى مستطيلات، ثم أضفت الشهور الميلادية والهجرية مع الأيام. علقت الأوراق على خزانة الملابس، وهكذا صار أمامي عام كامل لا يزال فارغا من عمري. شعار 2020 كان: لن تصل إذا لم تبدأ، ويعود سبب ذلك إلى طبيعتي التسويفية التي تفضل تأجيل الامور. الهدف الوحيد من التقويم هو أن أعيش كل لحظة في السنة، ليصبح عندي إنجازي الخاص الذي سأكتبه نهاية كل يوم في الخانة المخصصة له. إليكم كيف سار الأمر.

في الشهر الأول لم أكن أكتب بشكل يومي، كنت فقط أضع علامة (صح) نهاية اليوم، فشعرت بنهاية الشهر أن الأيام لسبب ما خالية، رغم أنني قمت بالعديد من الأمور فيها، لذلك قررت بعدها أن لا يمر يوم إلا وقد قمت بأمر يستحق التدوين، لأقلل من عدد الأيام البيضاء التي لم أحبذها أبدا، فهي تشعرني بكمية الوقت الذي ضاع مني، ولا أريد أن أفهم هنا بمثالية، لا بأس ببعض الأيام البيضاء وبالتأكيد أن الإنسان لا يمكنه أن يكون كل يوم في مزاج جيد. ما أتحدث عنه هنا أنني كنت أرفض أن تتراكم هذه الأيام على بعضها وتمر دون أن أقوم بأي عمل مفيد، والأعمال التي أدونها تكون بسيطة جدا أحيانا، كترتيب غرفتي أو الخروج مع الأصدقاء أو قراءة كتاب أو كتابة تدوينة، كل هذه الأمور وأبسط كنت أعتبرها إنجازا يستحق أن يكتب، وكذلك في الأمور الكبيرة كاختبارات الجامعة والمشاريع، كل شيء يأخذ وقتا لإنجازه وأشعر بالرضى عنه، كنت أدونه، حتى لا يضيع اليوم، حتى ممارسة الرياضة كنت أدونها أحيانا، لأرى تحديدا أين يذهب وقتي. يقول الرسول عليه الصلاة والسلام: (نِعْمَتانِ مَغْبُونٌ فِيهِما كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ والفَراغُ) أخرجه البخاري. ومعنى ذلك كما قال الإمام ابن باز رحمه الله، أن كثيرا من الناس من يضيع صحته وفراغه بغير فائدة، فلا يستعملهما فيما يقربه من الله، وفيما ينفعه في الدنيا، فهذا مغبون في هاتين النعمتين (الموقع الرسمي للإمام ابن باز). ولذلك لم أكن أريد للأيام الفارغة أن تحمل معها الوقت وتمضي، كنت دائما ما أحاول إضافة القليل إليها، فكما قال الحسن البصري رحمه الله:( يا ابن آدم إنما أنت أيام، فإن ذهب يوم ذهب بعضك)

قررت اضافة بعض الرسوم إلى خانات الأيام، وإذا كنت مشغولة جدا كنت أؤجل الموضوع إلى نهاية الأسبوع وأكتب أبرز ما حدث في الأيام الماضية وأضيف بعض الألوان والرسوم إليها. لم يكن تقويمي مكانا للمهام اليومية، بل كان محطة للذكريات والمواعيد المهمة وإنجازاتي الصغيرة. الهدف منه أن أعيش العام لحظة بلحظة. لم أضع لنفسي أي شروط لما سأدونه تحديدا، ولكني وجدت أن نفسي تميل إلى تسجيل اللحظات السعيدة بشكل أكبر. لا أعلم لماذا، ربما لأننا في الحقيقة لا نريد تذكر اللحظات الصعبة والمواقف الحزينة، ربما لأننا دائما نتجاهلها، أو ربما لأنها عميقة أكثر من أن تكتب، لا أعلم لماذا ولكن الحزن دائما أعمق من الفرح، لا يحتاج إلى تدوين أو إلى تذكار، دائما ما يجد الحزن طريقه إليك فلا داعي لكتابته، ولكن اللحظات السعيدة لا تباغتنا، الذكريات الجميلة تحتاج إلى تذكار، وإلى تدوين، وهذا ما كان تقويمي مناسبا له، عندما أنظر الآن إلى أيام العام الماضي، أستطيع أن أرى كل تلك اللحظات، تسليم المشروع النهائي، وبداية السنة الدراسية، وزيارات الأصدقاء والأهل، ورحلات البحر، أستطيع الشعور بالذكريات السعيدة، وأستطيع أن أرى تقدير الله عز وجل في الأيام، كيف أنها كلها تكمل بعضها بعضا، وتضيف لي الكثير من التجارب والمواقف، كيف أن هذه الأيام جزء مني، وقد كنت أنا جزءًا منها.

عام 2020 بالنسبة لكل الكوكب هو عام أزمة فيروس كورونا، عبرنا فيه جميعا في ذات المحطات وسمعنا فيه العديد من الأخبار التي أثرت على الكثير منا. ولكن التقويم على خزانتي، لم يكن لأحداث كورونا، لم يكن لما يحدث في العالم، التقويم على خزاتي والأيام هناك هي أيامي الخاصة، كما عشتها أنا بكل ما يؤثر علي وما أؤثر فيه. عندما أنظر إلى التقويم لا أرى إلا نفسي، بعض العبارات المكتوبة لن يفهمها سواي، قد يفهمون اللفظ دون المعنى، لن تصلهم الذكرى أو الشعور. العام المعلق على خزانتي هو عامي الخاص. وبالتأكيد أن لكل واحد منكم عامه الخاص كذلك. سنعيش الأيام لا محالة، ستشرق الشمس ثم تغيب وسيمر اليوم بعد اليوم، ونحن من سنضيف إلى هذه الأيام معانيها، فنضيف بالتالي إلى أنفسنا خبرات وذكريات ومعاني جديدة.

سأزيل الإثني عشرة ورقة اليوم، وأحفظها في مكان ما، وسأعلق إثني عشرة ورقة جديدة، يمكنكم أنتم أيضا أن تعلقوا أوراقكم الخاصة، أو تختاروا طريقة أخرى تناسبكم في تدوين الأيام، ربما ألبوم صور في هواتفكم تضعون فيه نهاية كل يوم صورة، أو مقطع فيديو، ربما يمكنكم التدوين في ملاحظاتكم الخاصة، جملة لكل يوم، الأمر مختلف قليلا عن اليوميات، فاليوميات أطول مما أتحدث عنه، فقط اختاروا مكانا تدونون فيه أيام العام، تحتفظون فيه بذكرياتكم، وتحتفلون فيه بانجازاتكم، وتكون فيه بصمتكم الخاصة.

لا تدع الأيام تمضي فارغة، حمّل فيها الخير، ودوّن عامًا خاصًا بك!

فكرة واحدة على ”عامٌ خاص بك!

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s